في جلالِ السَّلطنة، وشرفِ البيتِ الهاشميِّ، ومآثرِ البيوتِ الملكيّةِ العريقة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ مالكِ المُلْكِ والمَلَكوت، ذي العزّةِ والجبروت، الذي يُؤتي المُلْكَ مَن يشاء، وينزعُ المُلْكَ ممّن يشاء، ويُداولُ الأيّامَ والدُّوَلَ بين عبادِه على مقتضى حكمتِه، ويجعلُ في تقلُّبِ السلاطينِ والدُّوَلِ عِبَرًا لأولي الأبصار، ويحمِّلُ أهلَ السلطانِ أمانةَ الرعيّةِ وثِقَلَ المسؤوليّة؛ له الحمدُ في الأولى والآخرة، وله الحكمُ وإليه تُرجَعون.
والصلاةُ والسلامُ الأتمّان الأكملان على سيّدنا ومولانا محمّدٍ المصطفى صلى الله عليه وسلم، نورِ المُلْكِ والملكوت، وفخرِ الأكوان، وسيّدِ ولدِ عدنان، وتاجِ بني هاشم، ورحمةِ الله المهداة إلى العالمين؛ وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وعترته المباركة، وصحبه الغُرِّ الميامين، ومَن اقتفى آثارَهم بإحسانٍ وأدبٍ ووفاءٍ إلى يوم الدين.
أمّا بعد؛
فإنّ السَّلطنةَ والمَلَكيّةَ في تراثنا الحضاريّ ليستا مجرّدَ صورةٍ من صور الحكم، ولا نظامًا سياسيًّا محضًا ينقضي بانقضاء رجاله؛ بل هما ـ حين تقومان على العدل والأمانة ـ ذاكرةُ الدولة، وشاهدُ التاريخ الحيّ، ورمزُ وقار الأمّة وعزّتها، وجسرٌ معنويٌّ يصلُ ماضيها بحاضرها ومستقبلها.
فقد تُقاسُ أعمارُ الحكوماتِ بالسنين، وتتعاقبُ العهودُ السياسيّةُ في آجالٍ محدودة، أمّا البيوتُ الملكيّةُ العريقةُ فإنّ أعمارها تُقاسُ بالقرون والأجيال.
ذلك أنّ المَلِكَ ليس ابنَ يومِه فحسب؛ بل يحملُ على عاتقِه ذكرَ أسلافه، وذاكرةَ شعبه، وأمانةَ أجيالٍ لم تولد بعد.
ومن هاهنا ينشأ سرُّ الهيبة والوقار في معنى السلطنة.
فالعرشُ ليس مقعدًا فحسب، بل أمانة.
والتاجُ ليس زينةً فحسب، بل مسؤوليّة.
والأسرةُ المالكةُ ليست عائلةً فحسب، بل تاريخٌ حيّ.
وولايةُ العهد ليست امتيازًا مجرّدًا، بل عهدُ خدمةٍ واستعدادٌ لحمل أمانة المستقبل.
وليست التقاليدُ والأعرافُ والمراسمُ والبروتوكولاتُ الملكيّةُ العريقةُ رسومًا جامدةً لا روح فيها؛ بل هي لسانُ حكمةٍ صقلتها القرون، وتربيةٌ حضاريّةٌ دقيقةٌ تُهذِّب القوّةَ بالأدب، وتكسو الهيبةَ بالوقار، وتقيّد السلطانَ بالمسؤوليّة.
ومن أجل ذلك فالسُّلطانُ ليس شخصًا فحسب.
إنّه، من حيث المقام الذي يحمله، مظهرٌ لهيبة الدولة، ورمزٌ محسوسٌ لاستمرارها، وملجأٌ يُرجى للمظلوم، وحارسٌ للنظام والاستقرار.
شخصُه فانٍ، ولكنّ الأمانةَ التي يحملها أوسعُ من عمره، وأقدمُ من زمانه، وأبعدُ أثرًا من حدود حياته.
وكذلك محبّةُ الأسرة المالكة ليست ـ في معناها الصحيح ـ تعلّقًا بأشخاصٍ مجرّدين، وإنّما هي وفاءٌ لما يمثّلونه من شرفٍ وأدبٍ وعُرفٍ عريق، ووقارِ نسب، ومعنى الخدمة، وأمانةِ الدولة التي تنتقل من جيلٍ إلى جيل.
وإذا نظرنا إلى الأمر بعين أهل التصوّف والمعرفة، ارتفع بنا النظرُ من صور الممالك إلى حقيقةٍ أعلى منها جميعًا:
أنّ المُلْكَ لله وحده.
فكمالُ المَلِك ليس في أن يقول: «المُلْكُ لي»، وإنّما في أن يشهد بقلبه قبل لسانه:
«إنّما هذا المُلْكُ أمانةٌ استودعني اللهُ إيّاها».
فالملوكُ يجيئون ويمضون، والعروشُ تقوم وتسقط، ومصابيحُ القصور توقد ثم تنطفئ، أمّا سلطان مالك المُلْك جلّ جلاله فلا يلحقه زوال، ولا يعتريه أفول.
فإذا حُمِل التاجُ بهذا الوعي صار خدمةً، وإذا استُعملت القوّةُ بهذا الشهود صارت عدلًا، وإذا حُفظت السلطنةُ بهذا الأدب صارت رحمةً للرعيّة.
آلُ عُثْمَان: ذِكْرَى الدَّوْلَةِ العَظِيمَةِ وَوَقَارُ القُرُون
نحن أبناءُ حضارةٍ نشأت في ظلّ شجرةٍ تاريخيّةٍ ضاربةٍ جذورُها في أعماق القرون.
تعاقبت علينا دولٌ وبيوتٌ عظيمة؛ من الأمويّين إلى العبّاسيّين، ومن السلاجقة إلى العثمانيّين، وارتفعت تحت قبة السماء راياتٌ، وخفقت ألويةٌ، وقامت ممالكُ ثم مضت إلى صفحات التاريخ.
ومن أجلِّ صور معنى الأسرة الحاكمة في تاريخنا البيتُ العثمانيّ، آلُ عثمان.
من عثمان غازي إلى السلطان محمد الفاتح، ومن السلطان سليم الأوّل إلى السلطان سليمان القانونيّ، ثم إلى السلطان عبد الحميد خان؛ امتدّت سلسلةٌ لم تكن تاريخَ عائلةٍ فحسب، بل كانت تجربةَ دولةٍ وحضارةٍ امتدّت قرابة ستة قرون.
وكان ظلُّ العرش في إستانبول يمتدّ يومًا من البلقان إلى الحجاز، ومن القوقاز إلى أفريقيا، وتعيشُ تحت راية الدولة أممٌ وأقوامٌ وألسنةٌ شتّى ضمن نظامٍ سياسيّ وحضاريّ جامع.
ولئن سكتت تلك القصور اليوم، فإنّ في سكوتها كلامًا.
وكأنّ القبابَ القديمة لا تزال تردّد في جنبات التاريخ دعاءً:
«اللهم أَدِمِ الدولةَ بالعدل، واحفظِ الأمّةَ بالعزّة، وأقِم ميزانَ الحقّ بين العباد».
قد يُرفع العرش، وتُغلق أبواب القصور، وتُنكس الرايات؛ ولكنّ ذاكرةَ البيت الحاكم إذا امتزجت بروح أمّةٍ على مدى القرون لا تمّحي بسهولة.
ثم دارت الأيام، وتبدّلت لغةُ الزمان، واضطربت الموازين، حتى صار بعض الناس يسمّون الفتنةَ عدلًا، والعدلَ فتنة، والوفاءَ تخلّفًا، والاحترامَ للتقاليد العريقة نقصًا.
أمّا نحن فما بدّلنا موقفنا.
ما زلنا مع التاريخ، والوفاء، والعزّة، والأدب، وحفظِ التراث العريق.
وقد انتهى النظامُ العثمانيّ في خضمّ تحوّلاتٍ سياسيّةٍ جسيمة كان للاتحاد والترقّي وأحداث عصره نصيبٌ كبيرٌ منها، فضاع نظامٌ تاريخيٌّ عريق، وانطوت صفحةُ دولةٍ عظيمة.
غير أنّ الله سبحانه قد يُخرج من جوف المحنة منحة، ومن وراء الجلال جمالًا، ومن قلب الفقد بابًا جديدًا من أبواب التاريخ.
فظهرت في الجغرافيا السياسيّة الجديدة بيوتٌ ملكيّةٌ حملت في أوطانها معانيَ الدولة والاستقرار والاستمرار.
البَيْتُ الهَاشِمِيُّ: نُورُ النَّسَبِ وَوَقَارُ الدَّوْلَة
غير أنّ بين تلك البيوت بيتًا إذا ذُكر التقى النسبُ بالأدب، وخشع التاريخ، ونهضت المحبّة.
إنّه:
البيتُ الهاشميُّ الشريف.
فهم ينتسبون إلى الدوحة الهاشميّة التي منها سيّدُ الوجود وحبيبُ المعبود محمّدٌ المصطفى صلى الله عليه وسلم.
إنّها شجرةٌ ضاربةٌ جذورُها في أعماق التاريخ، ممتدّةٌ أغصانُها في أقطار الأمّة، وثمراتُها المعنويّةُ في قلوب المؤمنين.
وكما كان آلُ إبراهيم سلسلةً مباركةً في تاريخ النبوّة، كان النسبُ الهاشميّ عبر تاريخ الإسلام موطنًا لنشوء أعدادٍ عظيمة من السادة والأشراف، والأئمّة والعلماء والعارفين والمرشدين والمجاهدين وأهل الخدمة.
وفي التاريخ الحديث لهذا البيت الشريف يبرز الشريف الحسين بن علي.
ثم الملكُ المؤسّس عبد الله الأوّل.
ثم الملك طلال.
ثم ذلك الاسمُ الكبير في تاريخ الأردن، الملك الحسين بن طلال.
ثم حاملُ الأمانة الهاشميّة اليوم، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين.
ثم الغصنُ الشابّ الممتدُّ من تلك الدوحة نحو المستقبل:
صاحبُ السموّ الملكيّ وليُّ العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني.
إنّه في سماء الهاشميّين بدرٌ شابّ، ورمزُ رجاءٍ يصل الماضي بالمستقبل، ووجهُ بيتٍ عريقٍ يتطلّع إلى الغد.
ونحن لا نرى في شخصه وليَّ عهدٍ شابًّا فحسب، بل نرى أمانةَ الأجداد وقد انتقلت إلى كتفَي جيلٍ جديد.
وإنّ السلسلة الممتدّة من الشريف الحسين إلى الملك عبد الله الأوّل، ومن الملك الحسين إلى الملك عبد الله الثاني، ومنه إلى الأمير الحسين، ليست مجرّد سلسلة دمٍ ونسب.
ذلك أنّ:
شرفَ النسب يكتمل بالخدمة،
وشرفَ الخدمة يكتمل بالوفاء،
وكمالَ الوفاء بالأدب،
وكمالَ الأدب بصدق العبوديّة لله والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم.
ومحبّةُ الهاشميّين لا تنحصر في حدود الأردن؛ ففي مشارق الأرض ومغاربها قلوبٌ تهفو إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الدوحة الهاشميّة.
وحقيقةُ هذه المحبّة ليست عصبيّةً للنسب، وإنّما هي في أصلها محبّةٌ محمّديّة.
فالنسبُ إنّما يبلغ كمال شرفه حين يقود صاحبَه إلى أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنّته.
والأمّةُ نفسها تلهج في صلاتها:
«اللهم صلِّ على محمّدٍ وعلى آل محمّد، كما صلّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد».
فيا له من سرّ عظيم!
أمّةٌ تتوجّه إلى قبلتها خمس مرّاتٍ في اليوم، ويبقى على ألسنتها اسمُ آل محمّد.
وقد قال الله تعالى:
﴿ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾
فكانت الآية من النصوص الجليلة التي استدلّ بها العلماء في بيان شرف المودّة في القربى ومكانتها.
وجاءت أحاديثُ الثقلين بألفاظٍ وطرقٍ متعدّدة، فذكّرت الأمّةَ بحقّ كتاب الله، وبمكانة أهل بيت نبيّها صلى الله عليه وسلم.
غير أنّ محبّةَ أهل البيت في حقيقتها لا تنفصل عن السنّة النبويّة.
فأهلُ البيت ذكرى حيّةٌ للبيت النبويّ، والسنّةُ ميزانُ صدق المحبّة.
وبلسان أهل الطريق:
المحبّةُ تقتضي الاتّباع،
والاتّباعُ يقتضي الأدب،
والأدبُ يقتضي الوفاء،
والوفاءُ يثمر الخدمة.
وههنا يتجلّى الشرفُ الحقيقيُّ للنسب الهاشميّ.
فالعزّة ليست في الدم وحده، بل في الأمانة المحمّديّة التي يدلّ عليها ذلك النسب ويذكّر بها.
وفي مشارق الأرض ومغاربها اليوم ملايينُ من السادة والأشراف؛ تختلف ألسنتهم وبلدانهم، ولكنّ أنسابهم تلتقي في معنى القرابة الروحيّة والتاريخيّة المتّصلة بذلك المنبع المبارك.
ومن يدري في أيّ فصلٍ من فصول المستقبل يوقظ اللهُ الهممَ الكامنة في القلوب، وأيُّ حادثةٍ تجمع ما تفرّق منها حول محبّةٍ محمّديّةٍ صادقة؟
وأهلُ السنّة والتصوّف يتوارثون الرجاءَ بخروج المهديّ المنتظر في آخر الزمان، وإقامة العدل بعد امتلاء الأرض جورًا، وفق ما ورد في أبواب الفتن والملاحم من الروايات المشهورة عند أهل العلم.
ولعلّ غراسَ اليوم تحصد ثمارَه أجيالُ الغد، ولعلّ خدمةً تُبذل الآن يظهر أثرُها بعد حين.
نسأل الله أن يبارك في عمر جلالة الملك عبد الله الثاني، وأن يجعل أعماله في ميزان الخير، وأن نرى ثمرات التجربة الهاشميّة العريقة تتجلّى في مستقبل وليّ العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني بما فيه خير الأردن والأمّة والإنسان.
ونحن نرجو أن نرى فيه لا مجرّد وليّ عهدٍ شابّ، بل شعاعَ فجرٍ جديدٍ يطلّ من أفق البيت الهاشميّ العريق.
آلُ سُعُود: شَرَفُ خِدْمَةِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْن
وفي جزيرة العرب يقف آلُ سعود بيتًا ملكيًّا أقام بعد مسيرةٍ تاريخيّةٍ طويلة دولةً واسعةً جمعت أقاليمَ كبيرةً تحت رايةٍ واحدة.
ومن أعظم الأمانات التي تحملها المملكة اليوم خدمةُ الحرمين الشريفين.
مكّة المكرّمة…
والمدينة المنوّرة…
بلدُ البيت العتيق، ومدينةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثوى جسده الشريف.
وخدمةُ هاتين البقعتين المقدّستين شرفٌ فوق كثيرٍ من مظاهر المُلك الدنيويّ، ومسؤوليّةٌ يجلُّ قدرُها في قلوب المسلمين.
فإن كان المُلكُ شرفًا، فخدمةُ المقدّسات أشرفُ من التفاخر بالمُلك.
ومن أجمل معاني السلطان:
أن يسبقَ الخدمةُ الحكمَ.
آلُ نَهْيَان: مِنْ سَكِينَةِ الصَّحْرَاءِ إِلَى آفَاقِ العُمْرَان
ومن البيوت الملكيّة والحاكمة المتميّزة آلُ نهيان.
ويرتبط اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تاريخ دولة الإمارات العربيّة المتحدة بمعاني التأسيس، وبناء الدولة، وبعد النظر السياسيّ.
وقد دلّ الانتقال الكبير من بيئة الصحراء إلى عمران المدن الحديثة على أنّ الثروة وحدها لا تصنع حضارة.
بل لا بدّ أن تقترن الثروةُ بالحكمة، والقوّةُ بالبصيرة، والإمكانُ بالاستقرار، والتطلّع إلى المستقبل بحفظ الذاكرة.
وفي تجربة آل نهيان مثالٌ لافتٌ على إمكان اجتماع الذاكرة الاجتماعيّة والقبليّة العريقة مع مؤسّسات الدولة الحديثة.
آلُ مَكْتُوم: بَيْتٌ يَنْظُرُ إِلَى الأُفُق
ولـ آل مكتوم في تاريخ دبيّ منزلةٌ ظاهرة.
إنّ انتقال ميناءٍ تجاريٍّ متواضعٍ في الماضي إلى مدينةٍ ذات حضورٍ عالميّ لا يُفسَّر بالإمكانات الماديّة وحدها، بل وراءه تراكمٌ في الإدارة والتجارة والعمران والنظر إلى المستقبل.
وهذه إحدى فضائل الاستمرار في البيوت الحاكمة:
أن تُبنى سياسةُ الدولة لا لليوم التالي وحده، بل للأجيال التي لم تولد بعد.
فمن فقه الدولة أن يفكّر الحاكمُ اليوم في الإنسان الذي سيجلس بعد مئة عامٍ في ظلّ شجرةٍ غُرست في زمانه.
آلُ ثَانِي: ذَاكِرَةُ الدَّوْلَةِ القَطَرِيَّة
وفي قطر يمثّل آلُ ثاني بيتًا ارتبط تاريخه ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الدولة وهويّتها.
وقد دلّت تجربةُ بلدٍ محدود المساحة استطاع أن يحفظ خصوصيّته ويكون له حضورٌ إقليميّ ودوليّ على أهميّة الاستمراريّة، وبعد النظر، وفنون السياسة والدبلوماسيّة.
فالعرشُ هنا أيضًا ليس مجرّد مقعدٍ يجلس عليه الحاكم.
إنّه موضعُ أمانة الدولة التي تنتقل بين الأجيال.
آلُ صَبَاح، وَآلُ خَلِيفَة، وَآلُ بُوسَعِيد
وفي الكويت يمثّل آلُ صباح واحدًا من البيوت الحاكمة العريقة في الخليج.
وفي البحرين يحمل آلُ خليفة موقعًا مركزيًّا في الذاكرة السياسيّة والتاريخيّة للبلاد.
وفي عُمان يمثّل آلُ بوسعيد تقليدًا سلطانيًّا ممتدًّا عبر القرون.
ولعُمان خاصّةً ذاكرةٌ سياسيّةٌ وتجاريّةٌ وبحريّةٌ امتدّ أثرُها في حقبٍ مختلفة من المحيط الهنديّ إلى سواحل شرقيّ أفريقيا.
وتذكّرنا هذه البيوت بحقيقةٍ بليغة:
الدولةُ ليست حدودًا فحسب، بل ذاكرة.
والأمّةُ ليست عددًا فحسب، بل انتماء.
والسلطنةُ ليست قوّةً فحسب، بل استمرار.
والبيتُ الحاكم ليس نسبًا فحسب، بل أمانة.
الدَّوْلَةُ العَلَوِيَّةُ فِي المَغْرِب: تَاجٌ عَرِيقٌ فِي أَقْصَى المَغْرِب
وفي المغرب الأقصى تمثّل الدولةُ العلويّةُ الشريفة واحدًا من أعرق التقاليد الملكيّة القائمة في العالم الإسلامي.
وقد اجتمع في الملكيّة المغربيّة عبر القرون معنى الشرعيّة التاريخيّة، والرمزيّة الدينيّة، واستمرار الدولة، وذاكرة البيت الحاكم.
ومن أسرار بعض الملكيّات العريقة أنّ المَلِكَ لا يكون في الوعي الجمعيّ مجرّد رئيسٍ سياسيّ، بل يصبح رابطةً حيّةً بين التاريخ والحاضر، وبين الدولة والمجتمع، وبين الأجداد والأحفاد.
وِلَايَةُ العَهْد: تَرْبِيَةٌ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ عَرْشًا
ومن ألطف معاني الملكيّة مؤسّسةُ ولاية العهد.
فولايةُ العهد ليست مجرّد تعيين من سيجلس على العرش مستقبلًا.
إنّها تربيةُ إنسانٍ منذ شبابه على معنى:
«لعلّ أمانةَ هذا الشعب تُوضَع يومًا على عاتقك».
فيبدأ الأميرُ بالشعور بثقل التاج قبل أن يوضع التاجُ على رأسه.
لأنّ الذي سيُسلَّم إليه ليس قصرًا ولا مالًا ولا منصبًا فحسب، وإنّما:
اسمُ الأجداد،
ورجاءُ الشعب،
وهيبةُ الدولة،
وشرفُ البيت،
وأمانةُ الأجيال القادمة.
ولهذا فإنّنا حين ننظر إلى وليّ عهدٍ شابٍّ كالأمير الحسين، فإنّنا لا ننظر إلى الحاضر وحده، بل إلى المستقبل أيضًا.
السِّرُّ الصُّوفِيُّ فِي مَعْنَى السَّلْطَنَة
يعلم أهلُ التصوّف أنّ وراء كلّ صورةٍ حقيقة، ووراء كلّ مُلكٍ دنيويٍّ سلطانًا لا يزول.
قال الله تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾
فالحاكمُ في ميزان الحقيقة ليس مالكًا مطلقًا، وإنّما هو مستأمنٌ على ما في يده.
العرشُ أمانة.
والرعيّةُ أمانة.
والقوّةُ أمانة.
والمالُ أمانة.
بل حتى شرفُ النسب أمانة.
ولهذا فإنّ عظمةَ السلطان في ميزان العارفين لا تُقاس بكثرة القصور التي يملكها، وإنّما بعدد القلوب التي دعا أصحابُها له بالخير والعدل.
فجوهرُ التاج ليس الذهب، بل العدل.
وعمودُ العرش ليس الرخام، بل الخدمة.
ومن أعظم حصون السلطان دعوةُ مظلومٍ أنصفه، وقلبُ فقيرٍ جبره، ورعيّةٌ أَمِنَت في ظلال عدله.
وشرفُ البيت الحاكم ليس في كثرة من جلس من أجداده على العرش وحدها، بل في قدرته على أن يسلّم الأمانةَ إلى الأجيال القادمة وهي أنقى وأعزّ وأعدل ممّا تسلّمها.
لِمَاذَا نُحِبُّ وَقَارَ السَّلْطَنَة؟
نحن لا نحبّ السلطنة لمجرّد بريقها.
بل نحبّ فيها الاستمرار.
ولا نجلّ البيوت العريقة لمجرّد النسب، بل نجلّ فيها الوفاء.
ولا نُعجب بالتاج لأنّه يلمع، بل لما تحته من ثقل المسؤوليّة.
ولا نوقّر القصر لمجرّد فخامته، بل لأنّ بابَه ينبغي أن يكون مفتوحًا للمظلوم.
ولا نحترم الحاكم لمجرّد قدرته، بل نرجو أن يكون فوق قوّته العدلُ، وخشيةُ الله، وخدمةُ الرعيّة.
ومن هنا نذكر آل عثمان بوفاءٍ بوصفهم جزءًا عزيزًا من ذاكرتنا التاريخيّة.
ونحبّ البيت الهاشميّ لما يجمعه من شرف النسب المحمّديّ وذاكرة الدولة الهاشميّة في الأردن.
ونجلّ شرفَ خدمة الحرمين الشريفين التي يحمل مسؤوليّتها آل سعود.
ونقدّر ما ارتبط بتجربة آل نهيان وآل مكتوم من بناء الدولة والعمران والتطلّع إلى المستقبل.
ونذكر آل ثاني، وآل صباح، وآل خليفة، وآل بوسعيد، والدولة العلويّة الشريفة في المغرب بما لكلّ بيتٍ من تاريخٍ وخصوصيّةٍ ودورٍ في استمرار دولته.
ذلك أنّ توقير البيوت الحاكمة لا يعني اعتقاد العصمة لأفرادها.
بل المراد هو احترامُ مقام الدولة، والوفاءُ للتاريخ، وصيانةُ الأمانة، والرحمةُ بالرعيّة، والدعاءُ بدوام العدل.
الخَاتِمَةُ وَالدُّعَاء
يعلم أهل الطريق أنّ:
بعد كلّ شتاءٍ ربيعًا،
وبعد كلّ ليلٍ فجرًا،
ووراء كلّ جلالٍ جمالًا،
وفي نهاية كلّ غربةٍ رجاءَ وصال.
ومهما طال الشتاء فلن يستطيع أن يمنع الربيع.
ومهما اشتدّت ظلمة الليل فلن تحبس طلوع الفجر.
وإذا ثبت أصلُ الشجرة، وطاب منبعُها، وعظمت أمانتُها، أمكن ـ بإذن الله ـ أن تُزهر أغصانُها من جديد.
وإنّ رجاءنا ليس المنصبَ بل الخدمة، وليس القوّةَ بل العدل، وليس المظهرَ بل العزّة بالحقّ، وليس الشهرةَ بل الوفاء بالأمانة، وفوق ذلك كلّه إحياءُ ما استطعنا من الأخلاق المحمّديّة.
اللهم ارزق الملوكَ عدلًا، وأولياءَ العهود حكمةً، وأهلَ الدولة بصيرةً وفراسة، والشعوبَ أمنًا وسكينة.
اللهم اجعل العروشَ منابرَ للعدل لا للظلم، والقصورَ أبوابًا للخدمة لا للكبر، والسلطانَ وسيلةً إلى مصالح العباد لا إلى حظوظ النفوس.
اللهم اجعل البيوتَ الحاكمةَ أسبابًا للوحدة والاستقرار والخير.
وبارك اللهم في عمر جلالة الملك عبد الله الثاني، ووفّقه لما تحبّ وترضى، واجعل أعماله في ميزان الخير.
ووفّق وليَّ عهده الأمير الحسين بن عبد الله الثاني لخدمة وطنه وأمّته والإنسان، وألبسه لباس الحكمة والعدل والوقار.
ووفّق القائمين على خدمة الحرمين الشريفين إلى كلّ خير، وأعنهم على أداء عظيم الأمانة.
وأصلح اللهم ملوك المسلمين وأمراءهم، واجعلهم مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشرّ، وأدِم على البلاد أمنها واستقرارها.
فلتدم الممالكُ بالعدل،
وليَسْعَد أولياءُ العهود بالحكمة،
ولتَبْقَ البيوتُ العريقةُ على الخير،
ولتَقُمْ الدولُ بالعزّة والإنصاف،
وليَدُم شرفُ البيت الهاشميّ ومكانتُه بالخدمة والعدل والوفاء.
ولتبقَ فوق جميع الممالك الدنيويّة هذه الحقيقةُ الأزليّة:
المُلْكُ لله،
والأمرُ لله،
والعزّةُ لله،
والبقاءُ لله وحده.
ثم لتنتهِ جميعُ محبّاتنا إلى باب الحبيب المصطفى، سيّدنا ومولانا:
محمّدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اللهم صلّ وسلّم وبارك عليه، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الغرّ الميامين، وعلى من سار على نهجهم بالأدب والصدق والوفاء إلى يوم الدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
كتبه
خادمُ الهاشميّين،
ومحبُّ أهل المُلك والسُّلطان،
ومحبُّ صاحب السموّ الملكيّ وليّ العهد الأمير الحسين،
الفقيرُ إلى رحمة ربّه،
الدكتور الملا يونس إمري آيدن القادريّ
النقشبنديّ الشاذليّ
