إن التصوف في حقيقته طريقٌ إلى الله تعالى، غايته تزكية النفوس، وتصفية القلوب، وتهذيب الأخلاق، وتربية الإنسان على الإخلاص والاستقامة والمحبة والأدب. وليس المقصود من سلوك هذا الطريق أن يتعصب الإنسان لاسمٍ أو رسمٍ أو انتساب، وإنما المقصود أن يتحقق بمعاني العبودية الصادقة، وأن يكون قلبه معمورًا بمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولسانه محفوظًا عن أذى المسلمين، ونفسه متواضعةً لأهل العلم والفضل والصلاح.

ومن أعظم ما ينبغي أن يتحلى به أهل الطرق الصوفية الأخوّة الصادقة فيما بينهم، مع اختلاف مشاربهم وتنوع مناهجهم في التربية والسلوك. فإن اختلاف الطرق لا يستلزم اختلاف المقاصد، وتعدد المشارب لا يقتضي التنازع والتباغض، ما دامت الأصول قائمةً على الكتاب والسنة، والغاية هي ابتغاء مرضاة الله تعالى.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقال جل شأنه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

وهذه الأخوّة التي قررها القرآن الكريم ليست مقصورةً على المنتسبين إلى شيخٍ واحد، أو طريقةٍ واحدة، أو سلسلةٍ واحدة، بل هي رابطة إيمانية عظيمة تجمع أهل القبلة جميعًا. وإذا كانت الأخوّة واجبةً بين عموم المسلمين، فإن أهل التصوف، الذين جعلوا المحبة والأدب والتزكية من أصول تربيتهم، أولى الناس بالمحافظة عليها ورعاية حقوقها.

فالطرق القادرية والنقشبندية والشاذلية والرفاعية والمولوية والخلوتية وغيرها من الطرق الصوفية المعتبرة، وإن اختلفت في بعض أساليب الذكر والتربية وآداب السلوك، فإنها تلتقي في أصول عظيمة، من أهمها اتباع الشريعة المطهرة، والاقتداء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجاهدة النفس، وتطهير القلب من الرذائل، والتحلي بمكارم الأخلاق.

فمنهم من يغلب على طريقته الذكر الجهري، ومنهم من يغلب عليها الذكر الخفي، ومنهم من يعتني بالخلوة، ومنهم من يجعل الصحبة والخدمة من أهم وسائل التربية. وهذه الاختلافات في الوسائل لا ينبغي أن تتحول إلى أسباب للخصومة والعداوة، فإن العبرة ليست بمجرد اختلاف الوسائل، وإنما بصحة الأصول واستقامة المقاصد وحسن الثمرات.

وإن من أعظم الأخطاء أن يجعل المريد محبته لشيخه سببًا لانتقاص سائر المشايخ، أو أن يتخذ وفاءه لطريقته ذريعةً للطعن في الطرق الأخرى. فمحبة الشيخ وفاء، وأما احتقار غيره من المشايخ فتعصب مذموم.

وللمريد أن يرى شيخه في أعلى مراتب المحبة والتقدير، وأن يعتقد أنه أنفع الناس له في تربيته وسلوكه، وأن يكون شديد التعلق به من جهة الصحبة والاقتداء. وليس في ذلك حرج ما دام ملتزمًا حدود الشرع والأدب. ولكن ليس له أن يفرض هذا الاعتقاد على الآخرين، أو أن يجعل عدم الانتساب إلى شيخه دليلًا على النقص في الدين أو السلوك أو المحبة.

فإن مراتب الولاية وحقائق القرب من الله تعالى ليست مما يحيط به الناس علمًا، وإنما مردها إلى الله سبحانه وتعالى، وهو أعلم بعباده وأسرار قلوبهم.

قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].

وفي هذه الآية الكريمة تربية عظيمة على التواضع وترك تزكية النفس، كما أن فيها تنبيهًا إلى خطورة ادعاء التفوق المطلق للنفس أو للجماعة أو للطريقة دون علمٍ وبرهان.

ولقد كان من محاسن التراث الصوفي ما عُرف عن كثير من كبار المشايخ من توقير أهل العلم والصلاح، واحترام أصحاب المشارب الأخرى، وحفظ حقوقهم، وإن اختلفت طرائقهم في التربية وأذواقهم في السلوك.

فالعبرة عند أهل الإنصاف ليست بمجرد اسم الطريقة التي ينتسب إليها الرجل، وإنما بما يتحلى به من العلم والتقوى والاستقامة والإخلاص وحسن الخلق.

وليس من شرط احترام الشيخ أن تكون مريدًا له، كما أنه ليس من شرط الاعتراف بفضل العالم أن توافقه في جميع آرائه.

وهذه قاعدة ينبغي أن تُكتب بماء الذهب في باب آداب السلوك والتصوف.

فقد يكون الإنسان قادريَّ المشرب، ومع ذلك يحمل في قلبه أعظم المحبة والاحترام لمشايخ النقشبندية والشاذلية والرفاعية وسائر أهل الصلاح. وقد يكون نقشبنديًّا، فيجلّ أئمة القادرية وغيرهم، ويحفظ لهم مكانتهم وحقوقهم.

فإن صدق الانتساب لا يقتضي جفاء الآخرين، وتمام الوفاء لا يستلزم إنكار فضل غير من ننتسب إليه.

ومن المسائل المهمة في هذا الباب ضرورة الابتعاد عن إثارة القضايا الخلافية التي لا يترتب على تداولها بين عامة المريدين إلا الخصومة والتنازع وفساد القلوب.

ولا ريب أن بين الطرق الصوفية مسائل علمية وتاريخية وتربوية وقع فيها الاختلاف، سواء تعلقت ببعض الأسانيد والسلاسل، أو أساليب الذكر، أو آداب السلوك، أو غير ذلك من المسائل.

وهذه القضايا يجوز بحثها ومناقشتها من قِبَل أهل العلم والاختصاص، في إطار الدليل والإنصاف وحسن الأدب. غير أن تحويلها إلى مجالس للجدال والطعن والتشهير، أو اتخاذها وسيلةً لإسقاط المشايخ والنيل من أتباعهم، أمر لا يليق بأهل التصوف، ولا ينسجم مع مقاصد التربية الروحية.

وليس المقصود من اجتناب الخلاف ترك بيان الحق، أو السكوت عن الخطأ، أو تعطيل النقد العلمي المنضبط؛ فإن الحق أحق أن يُتبع، والشريعة ميزان الجميع، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن ثمة فرقًا عظيمًا بين النقد العلمي القائم على الدليل، وبين الطعن الشخصي الذي تحركه العصبية والخصومة.

فقد نختلف مع شيخ في مسألة، ومع ذلك نحفظ له فضله وسابقته وخدمته. وقد نرى أن قولًا من الأقوال مرجوح أو غير صحيح، دون أن نجعل ذلك سببًا للطعن في جميع المنتسبين إلى قائله.

فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يفضي إلى سقوط الأدب، والنقد العلمي لا يجوز أن يتحول إلى عداوة شخصية.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». رواه البخاري ومسلم.

وهذا الحديث الشريف يضع أمام كل سالك ميزانًا دقيقًا يزن به أقواله وأفعاله.

فينبغي لكل مريد أن يسأل نفسه: هل يأمن أتباع الطرق الأخرى من لساني؟ وهل أحفظ حرمة مشايخهم في مجالسي؟ وهل أفرح بما يوفقهم الله إليه من الخير والخدمة؟ أم أنني أجعل محبتي لشيخي سببًا لإيذاء غيري؟

وإن من دقائق آفات النفس أن التعصب قد يتستر أحيانًا بثوب المحبة والغيرة على الشيخ والطريقة. فيظن المرء أنه يدافع عن الحق، وهو في الحقيقة ينتصر لنفسه أو لجماعته أو لمكانته بين أقرانه.

وقد يبدأ الأمر بالمبالغة في مدح الشيخ، ثم يتطور إلى إنكار فضائل غيره، ثم إلى احتقار من لم ينتسب إليه، حتى يصبح الانتساب الذي كان ينبغي أن يكون سببًا للتواضع وسيلةً للاستعلاء على الناس.

وهذا من أخطر ما يصيب السالك في طريق التربية.

فكيف يستقيم أن يدخل الإنسان طريق التصوف ليتخلص من الكبر والعجب، ثم يجعل انتسابه إلى أحد المشايخ سببًا للكبر والعجب؟

وكيف يدعي محبة أولياء الله، ثم يؤذي عباد الله، ويحتقر أهل الفضل والصلاح لمجرد اختلاف المشرب؟

إن المريد الصادق لا يحتاج إلى الانتقاص من الآخرين لإثبات فضل شيخه، ولا إلى التقليل من شأن الطرق الأخرى لإظهار محاسن طريقته.

وإنما تكون شهادته الحقيقية لطريقته في حسن أخلاقه، وصدق معاملته، وتواضعه، وورعه، وحفظه لحقوق الناس.

فالناس لا يعرفون المشايخ من خلال ما يقال في مدحهم فحسب، بل يعرفونهم أيضًا من خلال أخلاق من ينتسبون إليهم.

ورب كلمة جارحة تصدر من مريد متعصب تكون سببًا في نفور الناس من شيخه وطريقته، ورب خلق كريم يظهر من مريد صادق يفتح الله به قلوبًا كثيرة للمحبة والاحترام.

فلا تحاولوا أن تجعلوا جميع الناس مريدين لمشايخكم، ولكن احرصوا على ألا تكونوا سببًا في بغض أحدٍ لمشايخكم.

فالمحبة لا تُفرض بالقوة، ولا تُنتزع بالخصومة، وإنما تنبت في القلوب بحسن الخلق، وصدق المعاملة، وجمال الأدب.

وليس معنى أن يحب الإنسان شيخًا آخر أن محبته لشيخك تنتقص، كما أن انتشار الخير على أيدي طريقة أخرى لا ينقص من بركة الخير الذي يجري على أيدي أهل طريقتك.

ففضل الله واسع، ورحمته عظيمة، وأبواب الخير كثيرة.

ومن المؤسف أن ينشغل بعض المنتسبين إلى التصوف بالمفاضلات والمجادلات والخصومات، في وقت تحتاج فيه الأمة إلى العلم والتربية والإرشاد والخدمة وإصلاح القلوب.

فكم من شاب يحتاج إلى من يأخذ بيده إلى الاستقامة، وكم من طالب علم يحتاج إلى من يعينه على طلب العلم، وكم من قلب منكسر ينتظر كلمة رحمة ومواساة!

أفليس الأولى بأهل التصوف أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يجعلوا اختلاف مشاربهم سببًا لتكامل جهودهم، بدلًا من أن يكون سببًا لتنازعهم؟

إننا لا ندعو إلى إلغاء خصوصيات الطرق، ولا إلى ترك ما ورثه أهل كل طريقة من الآداب والأوراد والتقاليد المشروعة، ولا إلى تذويب الفوارق العلمية والتربوية بينها.

وإنما ندعو إلى أن تبقى هذه الخصوصيات في إطارها الصحيح، دون أن تتحول إلى حواجز بين القلوب أو أسباب للتعصب والتباغض.

فنحن نحب مشايخنا، ونحفظ عهودنا، ونفي لسلاسلنا، ونعتز بما تلقيناه من التربية والفيوضات، ولكننا في الوقت نفسه نحفظ حقوق سائر المشايخ، ونجلّ أهل العلم والصلاح، ونحسن الظن بالمؤمنين، ونذكر أصحاب الفضل بجميل الذكر.

ولا ينبغي أن يكون انتقال الإنسان في بعض مراحل حياته من صحبة شيخ إلى صحبة آخر، أو من مشرب إلى مشرب، سببًا في جحود فضل من سبقه أو إنكار ما تلقاه منه من خير.

فالوفاء من شيم أهل المروءة، وهو في طريق التصوف آكد وألزم.

ومن الوفاء أن تحفظ الجميل، وأن تذكر الإحسان، وأن تدعو لمن كان سببًا في تعليمك وتربيتك، وإن اختلفت وجهتك بعد ذلك.

فليس الوفاء للماضي أن تبقى أسيرًا له، وليس صدق التوجه إلى المستقبل أن تنكر فضل من أحسن إليك في الأمس.

وكذلك ينبغي أن تُصان حرمة المشايخ الذين انتقلوا إلى رحمة الله تعالى، وأن تُحفظ مكانة المشايخ الأحياء، وألا تتحول أسماؤهم وسيرهم إلى مادة للخصومات بين الأتباع.

فليس كل اختلاف يستوجب خصومة، ولا كل مخالفة تستدعي قطيعة، ولا كل رأي مرجوح يقتضي إسقاط صاحبه.

وإن من تمام الأدب أن نعرف للناس أقدارهم، وأن ننزلهم منازلهم، وأن نزن الأقوال بالعلم والعدل، وأن نحفظ القلوب من الأحقاد والأضغان.

وفي الختام، فإن التصوف الحق طريق لإحياء القلوب لا لكسرها، ولجمع الكلمة لا لتفريقها، ولتزكية النفس لا لتعظيمها.

والمريد الصادق هو الذي يجمع بين الوفاء لشيخه، والاحترام لسائر المشايخ، والرحمة بالمؤمنين، ومحاسبة نفسه على الدوام.

ونحن نرى أن من واجب أهل الطرق الصوفية في هذا العصر أن يقدموا للأمة نموذجًا حيًّا في الأخوّة والمحبة والاعتدال، وأن يثبتوا بأخلاقهم قبل أقوالهم أن اختلاف المشارب لا ينافي اجتماع القلوب.

فليكن حبنا لمشايخنا باعثًا على الأدب، لا ذريعةً إلى التعصب؛ وليكن وفاؤنا لطرقنا سببًا للاستقامة، لا وسيلةً لاحتقار الآخرين.

إن المحبة الصادقة لا تصنع العداوات، والمعرفة الحقيقية لا تغذي العصبية، والتصوف الصحيح لا يجعل الإنسان أسيرًا لهوى نفسه، بل يقوده إلى طلب مرضاة ربه.

وما أجمل أن يكون المرء ثابتًا على طريقته، وفيًّا لشيخه، محترمًا لسائر مشايخ أهل السنة والصلاح، بعيدًا عن الخصومات، حريصًا على جمع القلوب، حافظًا للسانه، سليم الصدر تجاه إخوانه.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق المحبة، وكمال الأدب، وحسن الوفاء، وسلامة الصدر، وأن يطهر قلوبنا من الكبر والعجب والتعصب، وأن يحفظ ألسنتنا من الغيبة والطعن والوقيعة في أهل الفضل.

ونسأله سبحانه أن يجمع قلوب أهل الطرق الصوفية على الخير والهدى، وأن يديم بينهم الأخوّة والمودة والاحترام، وأن يبارك في جهود المشايخ والعلماء والمربين، وأن يجعلنا جميعًا من عباده المخلصين المتحابين فيه.

آمين يا رب العالمين.

الدكتور الملا يونس أمره آيدن