لم أعد أنتظر من طائفةٍ من المريدين قد عُجنت قلوبهم بالفتنة والطمع والحقد والكراهية، وامتلأت صدورهم بالغيظ، أن يدركوا صفاء شمائل التصوف، وأدب أهل الطريق، ودقائق سبيل المحبة. ولعلّكم، من وجهٍ ما، لستم وحدكم موضع اللوم؛ فقد عُلِّمتم أن تسمّوا البغضاء محبة، والخصومة وفاءً، وإفراغ الحقد في الآخرين غيرةً. واتُّخذ الحقد لكم أصلاً في السلوك، والتعصب تسليماً، والعداوة صدقاً في الولاء، ونشر الكذب والبهتان إرشاداً وخدمة. وأُوهمتم أن محبة أكابركم لا تثبت إلا بتنقيص سائر الأكابر، وأن الوفاء لبابكم لا يتم إلا بمعاداة سائر الأبواب. ومن رُبّي قلبه على هذا، وعُوّد لسانه على ذاك، فكيف يُنتظر منه أن يفيض محبةً أو ينطق إنصافاً؟

غير أن التصوف الذي تلقيناه عن مشايخنا ليس هذا. فالتصوف ليس إبقاء أخلاق النفس المذمومة تحت أثواب دينية، بل إحراقها في نار التزكية، وتنقية القلب من أكدار السوى، والكبر، والحسد، والحقد، ودعوى النفس. وقد نُسب إلى سيد الطائفة الجنيد البغدادي قوله في حدّ التصوف: «أن يميتك الحق عنك ويحييك به». فجوهر الطريق ليس تقوية الأنا، بل كسر دعواها. ومن دخل الطريق فلم تصغر نفسه، بل تضخمت بنسبته وانتسابه، وكان بالأمس يفتخر بدنياه فأصبح اليوم يفتخر بشيخه وطريقته، فإنما غيّر لباسه ولم يغيّر نفسه.

وقد نقل الإمام القشيري في رسالته عن الجنيد ميزان هذا الطريق في قوله المشهور: «طريقنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة». فلا محبة ترفع حكم العدل الشرعي، ولا انتساب يبيح الكذب، ولا تعلق بشيخ يجيز انتهاك عرض مسلم أو كرامته. إنما تكون محبة المرشد ذات قدر بقدر ما تقرّب صاحبها من أخلاق رسول الله ﷺ. فإذا تُرك العدل باسم المحبة، ورُمي الناس بالبهتان باسم الوفاء، وتُتبعت أسرارهم باسم الخدمة، وكُسرت قلوب المسلمين باسم الغيرة، بقي الاسم تصوفاً وغابت روحه.

وحقيقة التصوف ليست في هدم القلوب، بل في جبرها؛ ولا في تتبع العيوب، بل في سترها؛ ولا في تفريق الناس، بل في تأليف القلوب. وقد نُقل عن سري السقطي من المعاني التي تصلح أن تكون ميزاناً لهذا الطريق: «التصوف اسم لثلاثة معانٍ: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بعلم باطن ينقض ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله». فليست حقيقة الروحانية في تجاوز حدود الشريعة والأخلاق، وإنما في مراعاتها بمزيد من الخشية والدقة.

وكذلك محبة الشيخ. فمحبة مرشد لا تستلزم بغض مرشد آخر، وإيقاد سراج زاويتك لا يحتاج إلى إطفاء مصابيح الزوايا الأخرى. المحبة الصادقة قائمة بقوتها، لا تحتاج إلى صناعة عدو تتغذى به. ومن احتاج إلى تصغير الآخرين ليعظم شيخه، فثمّة خوف من أن يكون المتكلم هوى الانتساب لا حقيقة المحبة. ذلك أن برهان المحبة ليس الكراهية. ووظيفة المريد الذي يحب شيخه ليست أن يطعن في مشايخ الآخرين، بل أن يُري الناس أثر تربيته عليه بسمته وخلقه.

وما أبلغ قول أبي حفص الحداد في هذا المقام: «التصوف كله آداب؛ لكل وقت أدب، ولكل حال أدب، ولكل مقام أدب». فإذا كان التصوف كله أدباً، فلا بد للمريد من أدب حتى في دفاعه عن شيخه. فالسباب والتهديد والتحقير والكذب والبهتان والعبث بكرامات الناس لا يسمى دفاعاً. ومن أراد أن يثبت عظمة مرشده فليبدأ بإظهار نصيبه من تربيته. ليكن فيه من الحلم والرحمة والوقار ما يجعل من يراه يتساءل عن الشيخ الذي رباه. وهل ثمة مديح للمرشد أبلغ من حسن خُلُق المريد؟

ولهذا كان حال المريد مرآةً لما تلقاه من التربية. فمن ينحني أمام شيخه ثم يخرج من بابه متعالياً على الناس، فقد انحنى جسده ولم تنحن نفسه. ومن كانت السبحة في يده وأعراض المسلمين على لسانه، فقد وصلت السبحة إلى كفه ولم يصل الذكر إلى قلبه. ومن لم يفتر لسانه عن اسم الله، بينما يحمل في قلبه حقداً مزمناً على أخيه المؤمن، فما يزال أمامه سفر طويل في طريق السلوك. فليس المراد من الذكر حركة اللسان فحسب، بل طهارة القلب؛ وليس المراد من الصحبة مجرد الوجد والدموع، بل حسن الخلق؛ وليس المراد من الرابطة مجرد تصور الصورة، بل أخذ نصيب من حال المرشد وأدبه.

وقد نُسب إلى أبي علي الروذباري قوله: «التصوف الإقامة على باب الحبيب وإن طُردت». وهذا يصف جانب الوفاء في حال الدرويش. غير أن ملازمة العتبة لا تعني طرد الآخرين عنها. فالدرويش يرى نسبته نعمة، لكنه لا يجعلها سلّماً للاستعلاء على الخلق. لأن نظر الصوفي أول ما يتوجه إلى عيبه هو. ومن شغل نفسه بإحصاء عيوب الآخرين لم يبق له وقت لقراءة ديوان نفسه. والسلوك ليس طريق اكتشاف عيوب الناس، بل طريق كشف حجب النفس.

الْوَرَطَاتُ الَّتِي تَعْتَرِضُ السَّالِكَ فِي طَرِيقِ السُّلُوك

وهنا ينبغي التنبيه إلى دقيقةٍ مهمة. إن الكلام هنا ليس، حاشا، عن خطرٍ في ذات التصوف أو نقصٍ في حقيقته. فالتصوف طريق تربية، غايته تحقيق معاني الإحسان والتزكية والزهد والتقوى ومحاسن الأخلاق المستمدة من القرآن والسنة في باطن الإنسان. غير أن الطريق، وإن كان صافياً، فإن السالك يحمل معه نفساً لا تزال في طور التربية. ومن ثم قد تعرض له ورطات تنشأ من نفسه، أو إفراطه، أو تصورات خاطئة، أو محبة جاوزت حد الاعتدال، أو تعصب للمشرب.

وتعبير «الورطات» الذي استعمله بديع الزمان سعيد النورسي في الحديث عن بعض ما قد يعترض أهل الطريق في سلوكهم تعبير بالغ الدلالة؛ لأن الورطة لا تذم الطريق، وإنما تحذر المسافر. ووجود المنحدر لا يعني أن المقصد باطل، بل يعني أن السائر محتاج إلى البصيرة والمرشد والانتباه. فالمقصود بالنقد هنا ليس الطريقة، وإنما الورطات التي يقع فيها السالك حين تغلبه حيل النفس وهو يسير في الطريق.

ومن أعظم هذه الورطات أن تنقلب المحبة تعصباً. فمحبة السالك لشيخه أمر طبيعي، بل من روابط السلوك المهمة؛ غير أن المحبة إذا فقدت ميزانها، وصار المرء يثبت ولاءه لمرشده بتنقيص سائر المرشدين، تحولت المحبة إلى معنى آخر. وحين يرى مشربه هو تمام الحقيقة، وطريقته وحدها طريق النجاة، وشيخه ميزان جميع الأولياء، فقد اقترب من حافة ورطة وهو لا يشعر.

ومن المعاني التي نبه إليها بديع الزمان أن التعصب للطريقة قد يبلغ بالسالك حداً يقدّم فيه آداب طريقته وأورادها على المقاييس الكلية للدين. والحال أن الطريقة خادمة للشريعة، وليست الشريعة خادمة للطريقة. والمرشد دليل إلى السنة، وليست السنة تابعة لشخص المرشد. الشيخ يُحب، ولكن لا يقدّم على ميزان رسول الله ﷺ؛ وآداب الطريقة تُرعى، ولكن لا تجعل فوق محكمات الدين.

ومن أدق ورطات الطريق أن تتبدل منزلة الوسيلة والمقصد. فالمرشد وسيلة إلى الله، والمقصد هو الله. والذكر وسيلة لإيقاظ القلب بالله، والمقصد هو الله. والصحبة وسيلة لإحياء القلب، والمقصد هو الله. والطريقة سبيل لتزكية السالك، والمقصد في النهاية هو الله. فإذا تقدمت الوسيلة على المقصد بدأ ميزان السلوك يختل.

ومن الورطات أيضاً أن تخلع النفس ثوب الدنيا وتلبس خرقة الدرويش. فمن كان يفتخر بالأمس بماله قد يفتخر اليوم بشيخه، ومن كان يتعالى بمنصبه قد يتعالى اليوم بطريقته. بالأمس كان يقول: أنا غني، أنا قوي، أنا ذو شأن؛ واليوم يقول: أنا مريد فلان، طريقنا غير سائر الطرق، نسبتُنا أعلى. تبدلت العبارات، وتغير الانتساب، وتبدل اللباس، ولكن الأنا الجالسة في الباطن لم تتغير.

بل قد يكون هذا الكبر الثاني أخفى من الأول؛ لأن الكبر الدنيوي مكشوف، فيسهل على صاحبه أن يتعرف إليه. أما الكبر المختبئ خلف النسب الدينية والصوفية فقد يتزين في عين صاحبه بصورة الفضيلة. فقد يتكبر وهو يظن نفسه متواضعاً، ويتعصب وهو يحسب نفسه وفياً، وينتقص الناس وهو يتوهم أنه يعظم شيخه. وهذه من أدق ورطات السلوك: أن لا تموت النفس، وإنما تغيّر شكلها.

ومن الورطات كذلك أن يظن الإنسان غضب النفس غيرةً للدين. فيسمّي الحسد غيرة، والحقد بغضاً في الله، والتعصب وفاء، والفظاظة جلالاً، والعناد استقامة، والغيبة إخباراً، والافتراء دفاعاً. فإذا فعل ذلك لم يعالج مرض نفسه، بل ألبسه لباساً دينياً. وهنا تمتحن بصيرة السالك؛ فإن ورطات الطريق لا تأتي دائماً في صورة معصية ظاهرة، بل ربما جاءت في صورة نزعات نفسية لبست ثوب الحق.

ولهذا ينبغي للسالك أن يتهم نفسه دائماً، وأن يزن انفعالاته بميزان الشريعة والسنة والوجدان والعدل. فإن أخرجتك المحبة من العدل فثمة ورطة، وإن قادك الوفاء إلى الكذب فثمة ورطة، وإن دفعتك محبة شيخك إلى انتهاك أعراض المسلمين فثمة ورطة، وإن حملك حب مشربك على احتقار سائر المشارب فثمة ورطة، وإن جرّك الدفاع عن المرشد إلى البهتان، فلم يعد ذلك دفاعاً عن الشيخ، بل دفاعاً عن النفس.

وخلاصة الأمر أن القضية ليست خطر التصوف، بل ورطات سالك التصوف. فالطريق صافٍ، غير أن السالك يحمل نفسه معه. ولهذا كانت التربية ضرورة. والسلوك ليس سفراً بلا عثرات، بل هو معرفة الورطات وتجاوزها بإرشاد الشيخ، وميزان الشريعة، ونور السنة، ودوام محاسبة النفس.

وإذا فُهم هذا المعنى، ظهر خطأ تحميل التصوف ما يظهر أحياناً على بعض المنتسبين إليه من قبائح. فتعصب المريد ليس هو التصوف، وحقد الدرويش ليس هو التصوف، وكذب المنتسب وغلظته وظلمه ليست هي التصوف. إنما هي مظاهر لنفس جاء التصوف أصلاً لتربيتها ولم تتهذب بعد. كما أن مرض المريض ليس عيباً في الطبيب، فكذلك أمراض النفس ليست من حقيقة التصوف.

ومن هنا فإن أخطر ما قد يقع فيه الإنسان أن يظن غضب نفسه غيرةً للدين. فإذا سمّى حسده غيرة، وحقده بغضاً، وتعصبه وفاء، وخشونته جلالاً، وعناده استقامة، ونميمته علماً، وافتراءه دفاعاً، فإنه لا يداوي آفات النفس، بل يكسوها ثوب الشرعية. غير أن تغيير الأسماء لا يغيّر الحقائق. فالغيبة لا تصير حلالاً إذا سُمّيت خدمة، والبهتان لا يصير حقاً إذا سُمّي دفاعاً، والظلم لا يصير عدلاً إذا سُمّي وفاء، والتعصب لا يصير عرفاناً لمجرد أن أُلبس لباس التصوف.

ومن الأصول التي يكثر الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه من التأكيد عليها في مجالسه اتهام النفس، والاشتغال بعيبها، وإصلاح الباطن. وروح التربية الجيلانية ليست في تزكية الإنسان لنفسه، بل في محاسبته لها. فمن لا يفتر لسانه عن ذكر سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني، فليتأمل أولاً كم نال من التربية الجيلانية في نفسه. شيء أن تروي مناقب الغوث، وشيء آخر أن تنال نصيباً من فتوته وأدبه. الحديث عن الكرامة يسير، أما الثبات على الاستقامة فعسير.

وكذلك ما نُسب إلى حضرة بهاء الدين نقشبند من قوله: «طريقنا الصحبة، والخير في الجمعية» يدل على هذا المعنى. فإذا كانت الصحبة تفرق الناس، وتزرع العداوة بين قلوب تتجه إلى قبلة واحدة، وتبني جدراناً جديدة بين المؤمنين، وجب إعادة النظر في مقصود الصحبة. فالصحبة ليست لتغذية النفس، بل لتربيتها؛ وليست لتقوية عصبية الانتساب، بل لتوجيه القلوب إلى الله. من قام من صحبة صادقة خف حمله، لا يثقل؛ قلّ حقده، لا يزداد؛ ورأى عيوب نفسه أكثر، لا نفسه أعظم.

ومن كلمات ابن عطاء الله السكندري في الحِكَم ما يصلح تحذيراً من خفايا النفس: «ما أجهل من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس»، والمعنى الذي يدور في حكمه كثيراً أن من أعظم الجهل إعجاب المرء بما يصدر عن نفسه وعدم اتهامها. فإذا صار الإنسان يستحسن فعل نفسه، ولا سيما إذا فعله باسم الدين، أوشك باب المحاسبة أن يُغلق عليه. فلا يعود يسأل: لعلي مخطئ؟ بل يقول: أنا على الحق، إذن كل ما أفعله حق. وإنما جاء التصوف ليكسر هذا الوهم.

وليس التسليم للمرشد إلغاءً للعقل والضمير والتكليف الشرعي. فالمرشد دليل إلى الله، وليس بديلاً عن حكم الله. الأشخاص يُوزنون بالحق، ولا يُوزن الحق بالأشخاص. والانتماء إلى جماعة لا يلزم منه تصحيح كل ما يصدر عنها. والوفاء الحقيقي ليس أن تترك الحق لأجل من تحب، بل أن تحفظ الحق حتى مع من تحب. فالعدل ليس عدلاً فقط مع من نحب، بل حتى مع من لا نحب.

وهنا يبدأ امتحان التصوف في الحقيقة. أن تحسن لمن كان على مشربك، وأن تبتسم لمن يحبك، وأن تحب من يحب شيخك، فهذا أمر يسير. أما العرفان فهو أن تحفظ العدل مع من ليس على مشربك، وأن تقبل كلمة الحق ممن ينتقدك، وأن ترد الظلم دون أن تظلم، وأن تمتنع عن الكذب فيمن غضبت عليه. فالأخلاق لا تُختبر في مجالس الأحباب وحدها، بل تُختبر أيضاً أمام الخصم.

وفي عرفان مولانا جلال الدين، العشق معنى يوسّع الإنسان ولا يضيقه. فكلما ازدادت المحبة ينبغي أن يتسع صدر القلب. ومن ضاق قلبه كلما أكثر من قول: شيخي، طريقتي، جماعتي، مشربي، فعليه أن يتساءل عن نصيبه من سعة الرحمة الصوفية. فالانتساب الصحيح لا يدعو إلى احتقار سائر الانتسابات، بل إلى أداء حق الانتساب الذي تحمله. والوردة لا تحتاج إلى إعدام رائحة سائر الزهور حتى تفوح رائحتها.

والزاوية ليست جبهة حرب، والطريقة ليست حزباً سياسياً، والمرشد ليس زعيماً يجمع حوله الأنصار. إنما الزاوية قبل كل شيء موضع تربية. يدخلها الناس لا لتكبر نفوسهم، بل لتصغر؛ ولا ليكثر أعداؤهم، بل ليعرفوا عدوهم الحقيقي في داخلهم. فمن أمضى السنين يحارب الآخرين ولم يحارب نفسه، فقد أخطأ جهة السلوك. ومن رأى عيوب الناس كلها ولم ير عيبه، فقد وجّه المرآة إلى غير وجهها. ومن اشتغل بإصلاح الخلق ونسي إصلاح قلبه، فقد فاته درس من أول دروس التصوف.

وفي مجمل منهج الإمام الغزالي في التزكية والأخلاق، المعركة الكبرى مع النفس. فلا يحصل الكمال بمجرد الانتساب الظاهر ما لم تعالج أمراض القلب من الكبر والحسد والرياء والعجب وحب الجاه والغضب. ولهذا ليس التصوف فنّ إخفاء أمراض النفس خلف محبة الشيخ، بل هو طريق إظهار تلك الأمراض وعلاجها واحداً واحداً. يُنزع الحسد، ويُقتلع الحقد، ويُكسر الكبر، ويُعالج العجب، ويُطفأ الطمع والغيظ؛ ثم تُغرس مكانها المحبة والرحمة والتواضع والأدب والإنصاف والحلم والفتوة والعدل.

فإن كنت قد قضيت أعواماً على باب زاوية وما زلت تفرح بمصيبة الناس، وتسعد بسقوط أخيك، وتنشر كل خبر سيئ قبل التثبت منه، وترى كل من خالفك عدواً، وتبكي إذا ذُكر شيخك ولا يرتجف قلبك إذا انتهكت كرامة مسلم، فاسأل نفسك: هل ربّيت نفسي طوال هذه السنين، أم ربّيت تعصب نفسي؟

سهل أن تبلي حبات السبحة، وصعب أن تبلي النفس. سهل أن تذهب إلى الزاوية وتعود منها، وصعب أن تحمل أدب الزاوية إلى بيتك وشارعك ومعاملتك للناس. سهل أن تكرر اسم الشيخ ألف مرة، وصعب أن تأخذ خُلقاً واحداً من أخلاقه. سهل أن تلبس الخرقة، وصعب أن تكون حليماً. سهل أن تضع التاج على رأسك، وصعب أن تجعل غيرك تاجاً على رأسك. سهل أن تروي كرامات الأولياء، وصعب أن تحيا استقامتهم.

لهذا نحن لم نعرف التصوف ميداناً تُشرعن فيه الأحقاد والخصومات. نحن عرفنا التصوف من أدب الجنيد، وفتوة الجيلانيين، وصحبة النقشبنديين، ومحبة المولويين، وتزكية الغزاليين، وعرفان الشاذليين. هناك المحبة لا الحقد، والتواضع لا الكبر، والألفة لا الفرقة، والعفو لا الانتقام، والحرمة لا الإهانة، والعبودية لا الأنانية.

المرشد الذي عرفناه لا يربي الكراهية في مريديه، بل يصغر نفوسهم. والصحبة التي عرفناها لا تعلم الإنسان عيوب الناس، بل تكشف له عيوب نفسه. والذكر الذي عرفناه لا يزيد عدد التسبيحات فقط، بل يزيد الرحمة في القلب. والإرشاد الذي عرفناه لا يجعل الإنسان عبداً لمرشده، بل يجعله بتربية المرشد أحسن عبودية لله. والتصوف الذي عرفناه لا يزيد أعداءً جدداً في القلب، بل ينتزع منه الأحقاد القديمة واحداً بعد واحد.

وتُعرف الشجرة بثمرتها، وتُعرف التربية الصوفية بثمرتها في الأخلاق. هل أصبحت مع مرور السنين أرحم، وأعفى، وأتواضع، وأشد إنصافاً؟ هل صرت أستر عيوب الناس أكثر، وأرى عيوب نفسي أوضح؟ هل ازداد عدلك مع مخالفيك؟ هل قلّ غضبك؟ هل صغرت كلمة «أنا» في قلبك؟ هل ازداد حنانك على عباد الله؟ هذه أيضاً محاسبة السلوك. فليس عدد السنين في الانتساب، ولا عدد الختمات، ولا كثرة مجالس الصحبة وحدها ميزان الكمال. إذا لم يغيرك الطريق، فما معنى أن تفتخر بمجرد أنك كنت فيه؟

وخلاصة القول: ثمرة الإرشاد الأدب، وثمرة السلوك التزكية، وثمرة المعرفة التواضع، وثمرة الذكر السكينة، وثمرة الصحبة حسن الخلق، وثمرة الخدمة الإخلاص، وعلامة التصوف الرحمة، وميراث أهل الله المحبة. فلا يجتمع الإرشاد مع الحقد، ولا التربية مع الغيظ، ولا الخدمة مع الافتراء، ولا الوفاء مع الظلم، ولا الدروشة مع الكبر، ولا العرفان مع التعصب. ولا يُضاء طريق المحبة إلى الله بظلمات الكراهية.

سهل أن تلبس لباس التصوف، وصعب أن تحمل أخلاقه. سهل أن تبدو درويشاً، وصعب أن تكون درويشاً. سهل أن تمسك بيد مرشد، وصعب أن تطلق عنقك من قبضة النفس. سهل أن تتحدث عن أهل الله، وصعب أن تنال نصيباً من أحوالهم. سهل أن تقول «الأدب» ألف مرة، وصعب أن تبقى مؤدباً ساعة الغضب. وسهل أن تقول «المحبة» ألف مرة، وصعب أن تنصف مخالفك.

ومن وقف أربعين سنة على عتبة باب، ثم لم ينقص من حقده وكبره وحسده وطمعه وغيظه شيء، فعليه ألا يسأل بعد ذلك: كم سنة وقفت على هذا الباب؟ بل ليسأل:

ماذا دخل إلى قلبي من ذلك الباب؟

السالكُ الصادقُ لا يُفني عمرَه في سؤال: «مَن أفضلُ مِن مَن؟»

بل يسأل مع نيازي المصري:

«أين الحبيب؟»

ولعلّ القلب، حين تسكن ضوضاءُ النفس كلُّها، ويخمد صخبُ الأنا، يبدأ عندئذٍ في سماع جواب ذلك السؤال.

يا أهلَ الطريقة، يا شيوخَ الحقيقة،
دلُّوني بدليلٍ: أين ذاك الذي لا تدركه إشارة؟

أين ديارُ الحبيب؟ وأين تتفتّح وردتُه؟
يا بلبلَ روضةِ الحبيب، أين تلك الوردةُ الباسمة؟

طُفتُ البحرَ والبرَّ باحثًا، فما أدركتُ هذا السرَّ،
فخلفَ الجسمِ والروح، أين السلطانُ الخفيّ؟

علمتُ أن الروحَ في الجسد، وأن الجسدَ بالروح حيٌّ،
ولكنْ واحيرتاه! ما عرفتُ: أين حبيبُ الروح؟

أين الذي هو روحُ نيازي وحياتُه، والسلطانُ المستترُ في سرِّه،
وهو دينُه وإيمانُه؛ أين ذاك المنزَّهُ عن المكان؟